كلمة رئيس المركز

كانت فكرة تأسيس المركز العربي الياباني للابحاث والدراسات والذي يقع مقره بالعاصمة اليابانية طوكيو؛ إطلاقة جادة لطرح السؤال حول الإضافة التي يمكن أن يقدمها المركز في اطار العمل على ادارك قضايا التواصل المتبادل بين العالم العربي واليابان في ظل زيادة قنوات التواصل والتفاعل في الكثير من المجالات بين الجانبين العربي والياباني التي تنشط محلياً وإقليمياً ودولياً؛ ومن ثم تعني بدراسة كافة الملفات والقضايا في جميع المجالات والتخصصات، السؤال الذي دفع بدوره القائمين على تأسيس المركز نحو البحث الدؤوب عن صيغة عمل جديدة؛ تضمن للمركز تفرده وتميزه اللازمين للنجاح والاستمرار على حد سواء.

لاشك أن العلاقات بين اليابان والدول العربية قد شهدت في الآونة الأخيرة تطورًا ملحوظًا، وليس ذلك في المجال الاقتصادي والعلمي فحسب بل أيضا صاحب ذلك التطور تقدم وزيادة في فرص التواصل والاحتكاك المباشر على مستوى الأفراد والشعوب بين كلا الطرفين: العربي والياباني، لكن في الوقت ذاته لا يمكننا إنكار أن عامل اختلاف اللغة والثقافة كان في بعض الأحيان بمثابة حاجز وعازل رئيسي في عملية تحقيق التفاهم المشترك والإدراك الصحيح المتبادل تجاه الطبيعة السيكولوجية والفكرية لكلا المجتمعين؛ لذا كان الاهتمام بعوامل التواصل اللغوي والثقافي فيما يعرف بالدبلوماسية الثقافية والدبلوماسية العامة توجه ينطوي على أهمية خاصة تزداد يومًا بعد يوم لاسيما في العلاقات الدولية والأحداث الاقتصادية الرابطة بين بلدان العالم.

  ولما كانت بنية العقل الثقافية وأبعادها المرئية والغير مرئية تمثل انعكاس الوجود في الذهن البشري،أدى ذلك إلى تنوع وتباين مكونات الثقافات من واحدة  لاخرى، سواء تلك الابعاد والانماط محسوسة كانت أم مجردة، فهى تختلف من شعب لاخر ،ومن مجموعة بشرية إلى أخرى ،وذلك بتأثير مكونات معتقداتها وبنيات لغتها وعاداتها واعرافها وظروفها التاريخية والاقتصادية…فلكل شعب وأمة مفاهيمه الخاصة به وشخصيته المميزة له . وبين ثنايا تصورات العقل الحامل لهذه الثقافة ومفاهيمه وسلوك افراده وتصرفاتهم نجد تلك العلاقة الطردية التي نستطيع من خلالها ليس فقط استكشاف توجهات ومنهج تفكريهم ، بل قد تمكنا أيضا من توقع أفعالهم في مشاهد الحياة المختلفة.

وفي محاولةٍ لاستكشاف جانب من مكونات العقل الياباني وشخصيته، يحاول المركز العربي الياباني للابحاث والدراسات أن يسلط الضوء من زوايا عدة على بعض مواضع الاختلاف والتباين في مجالات عدة بين العالم العربي واليابان  ،والتي قد تُحدث تصادم  وسوء فهم في مشاهد التواصل المتنوعة بين كلا الثقافتين العربية واليابانية وغيرها أيضا من الثقافات الاخرى  ، هادفا بقدر الامكان  إلى أن اهتدي إلى سبل مد جسورالتعارف الحقيقي المشترك بين كلا الجانبين العربي والياباني ، دون التركيز بالضرورة على تحقيق التفاهم المشترك بينهما.

ولهذا؛ فقد حرص المركز على الاستعانة بكوكبة من الخبراء والباحثين المتخصصين في دراسة الملفات والقضايا الهامة التي تربط الماضي والحاضر والمستقبل  لدولة اليابان بدول الشرق الأوسط والمنطقة العربية وأفريقيا ، لاسيما وأن القرن الذي نعيشه الآن  لا يمكن ان نعتبره مجرد امتداد زمنيا  فقط للقرن الماضي ، فالقرن الذي نعيشه الان بطبيعته المركبة والمعقدة تملي علينا ان نعيشه بماضيه وحاضره وايضا مستقبله . فلم يعد الامر  قاصرا على الحديث عن ماضي ذهب او مستقبل قد يأتي ،بل اصبح الامر اكثر  فالامر تعقيدا من ذلك وأصبح علينا ان نتناول الماضي بعين المستقبل

والمستقبل بعين الماض وان نتعلم مما تركه لنا التاريخ من دروس وايضا ان نرصد المستقبل الظاهر في الأفق البعيد والذي قد يجمع او يفرق الطرفين العربي والياباني  وذلك من اجل بناء عهد  جديد من العلاقات الثقافية القادرة على اجتياز الفوارق والحواجز اللغوية والفكريّة ، ولكي تكون تقوم الترجمة بدورها الفعّال على طريق  صناعة مئوية جديدة من العلاقات العربية اليابانية. 

ا.د.المؤمن عبد الله

أستاذ الدراسات اليابانية وعلوم اللغة والترجمة

كلية الدراسات الدولية

جامعة طوكاي  – اليابان